ابن عجيبة
461
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقالت النصارى : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ « 1 » ، إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ « 2 » . وقال المشركون : الملائكة بنات اللّه ، والأصنام شركاؤه . وقيل : يؤذونه : يلحدون في أسمائه وصفاته . ويؤذون رسول اللّه ، حين شج وجهه ، وكسرت رباعيته ، وقيل له : هو ساحر وشاعر ومجنون . أو : بترك سنّته ومخالفة شريعته . ويحتمل أن يكون المراد يؤذون رسول اللّه فقط بالتنقيص ، أو بالتعرض لنسائه . وذكر اسم اللّه للتشريف . لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي : أبعدهم من رحمته في الدارين وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً يهينهم ويخزيهم في النار . وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ؛ بغير جناية يستحقون بها الإيذاء ، فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً ؛ كذبا وَإِثْماً مُبِيناً ؛ ظاهرا ، وإنما أطلق في إيذاء اللّه ورسوله ، وقيّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات ؛ لأن إيذاء اللّه ورسوله لا يكون إلا بغير حق ، وأما إيذاء المؤمنين فمنه ما يكون بحق ، كالحدّ والتعزير ، ومنه باطل . وقيل : نزلت في ناس من المنافقين ، كانوا يؤذون عليّا رضي اللّه عنه ، ويسمعونه ، وقيل : في زناة المدينة ، كانوا يمشون في طرق المدينة ، ويتبعون النساء إذا تبرزن بالليل لقضاء حوائجهن ، فيغمزون المرأة ، فإن سكتت اتبعوها ، وإن زجرتهم انتهوا « 3 » . وعن الفضيل : لا يحلّ أن تؤذى كلبا أو خنزيرا بغير حق ، فكيف بالمؤمنين ؟ . ه . الإشارة : إذاية اللّه ورسوله هي إذاية أوليائه ، ونقله الثعلبي عن أهل المعاني ، فقال : فأراد اللّه تعالى المبالغة في النهى عن أذى أوليائه ، فجعل أذاهم أذاه . ه . ويؤيده الحديث القدسي : « من آذى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة » « 4 » ، أو كما سبحانه . وإذاية المؤمنين كثيرة ، تكون باللسان وبغيره ، وقد قالوا : البر لا يؤذى الذر . ومن أركان التصوف : كف الأذى ، وحمل الجفا ، وشهود الصفا ، ورمى الدنيا بالقفا . وباللّه التوفيق . ثم أمر بتمييز الحرائر من الإماء في اللباس ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 59 )
--> ( 1 ) كما ذكرت الآية 30 من سورة التوبة . ( 2 ) كما ذكرت الآية 73 من سورة المائدة . ( 3 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول ( ص 377 ) والبغوي في التفسير ( 6 / 376 ) عن الضحاك ، والسدى ، والكلبي . ( 4 ) أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب : التواضع ، ح 6502 ) . من حديث أبي هريرة بلفظ : « من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب . . » الحديث وأخرجه الإمام أحمد في المسند ( 6 / 256 ) من حديث السيدة عائشة - رضى اللّه عنها - بلفظ : « من أذل لي وليّا فقد استحل محاربتي . . . » الحديث .